الأحد، 11 يوليو 2010

ما الذي تعنيه ”الجـِدَة Novelty“ ؟

يرتبط الذكاء مع الانفتاح على التجربة الجديدة. ولكن ما الذي تعنيه ”التجربة الجديدة“؟

أظهرت الأبحاث في علم نفس السمات Personality Psychology مراراً أن أحد عوامل السمات لنموذج ”العوامل الخمسة“ — الانفتاح على الخبرة — يرتبط إيجابياً إلى حد كبير (وإن بصورة معتدلة) مع الذكاء. فالأفراد الأكثر ذكاء أكثر انفتاحا على التجارب الجديدة. إن التشابه والتداخل بين الذكاء والانفتاح يتضحان من حقيقة أن بعض الباحثين يدعون عامل السمات هذا “التفكر” بدلاً من “الانفتاح”.

يمكن للفـرضيـة تقديم تفسير واحد لكون الأفراد الأكثر ذكاء أكثر انفتاحا على التجارب الجديدة، وبالتالي أكثر عرضة لالتماس الجـِدَة Novelty. فالذكاء العام تطور كتكيّف محدود بالمجال للتعامل والحل للمشاكل الجديدة تطورياً، لذا فمن المعقول جداً أن الأفراد الأكثر ذكاء، والأقدر على حل مثل هذه المشاكل، هم أكثر انفتاحاً على الكيانات والمفاهيم الجديدة التي قد تؤدي إلى حل مثل هذه المشاكل.

في ذات الوقت، فالفـرضيـة تشير لاحتمال الحاجة إلى صقل مفهوم الجـِدَة، والتمييز بين الجـِدَة التطورية (الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف)، والجـِدَة التجريبية (الكيانات والحالات التي لم يجربها الأفراد شخصياً في حياتهم الخاصة). ففي حين أن نموذج العوامل الخمسة لا يحدد أي نوع من الجـِدَة يكون الأفراد المنفتحون — ومن ثَمَّ الأكثر ذكاء — هم أكثر ميلاً لالتماسه، تشير الفـرضيـة إلى أن الأفراد أكثر ذكاء من المرجح أن يسعى للجـِدَة التطورية فقط، وليس بالضرورة للجـِدَة التجريبية.

على سبيل المثال، كل من على قيد الحياة في الولايات المتحدة اليوم قد عاشوا كل حياتهم في مجتمع أحادي monogamous صارم ، وعلى الرغم من الاستثناءات العرضية التي تصنع الأنباء، فإن قليلاً جداً من الأميركيين المعاصرين لديهم تجارب شخصية مع تعدد الزوجات. لذا، فالزواج الأحادي مألوف بالتجربة لمعظم الأميركيين، في حين أن تعدد الزوجات جديد بالتجربة. يجوز إذن لنموذج العوامل الخمسة التنبؤ بأن الأفراد أكثر ذكاء من الأرجح أن يكونوا منفتحين تجاه تعدد الزوجات باعتباره فكرة أو نمط حياة جديد تجريبياً.

على العكس، فالبشر متعددو زوجات بشكل طبيعي. تشير الأدلة المقارنة إلى أن أجدادنا قد مارسوا تعدد زوجات معتدلاً طوال التاريخ التطوري للإنسان. أما الزواج الأحادي المفروض اجتماعياً الذي لدينا اليوم في معظم المجتمعات الغربية فهو ظاهرة تاريخية حديثة نسبياً. لذا فإن تعدد الزوجات مألوف تطورياً في حين الزواج الأحادي هو الجديد تطورياً. سيكون للفـرضيـة بذلك أن تتكهن بأن الأفراد الأكثر ذكاء أكثر احتمالاً للانفتاح على الزواج الأحادي وأقل عرضة لتعدد الزوجات. وفي الواقع، فإن الأدلة تشير إلى أن الرجال الأكثر ذكاء أكثر احتمالاً لتقدير التفرد الجنسي من الرجال الأقل ذكاء.

وكمثال آخر، فلمعظم الأميركيين المعاصرين، الأسماء التقليدية المستمدة من الكتاب المقدس، مثل ”جون/حنّا“ و ”ماري/مريم“، هي أكثر أُلفة بالتجربة من أسماء غير تقليدية مثل OrangeJello و LemonJello. لذا فقد يتنبأ نموذج العوامل الخمسة بأن الأفراد أكثر ذكاء هم أكثر احتمالاً لتسمية أطفالهم بأسماء غير تقليدية مثل OrangeJello و LemonJello من الأفراد أقل ذكاء. أما من وجهة نظر الفـرضيـة ، فكُلٌّ من جون وOrangeJello هما جديدان تطورياً بنفس القدر، وذلك لأن الكتاب المقدس نفسه وكل الأسماء التقليدية المستمدة منه جديد تطورياً. لذا فإنه لا يُتوقع أن الأفراد الأكثر ذكاء أكثر احتمالاً لتسمية أطفالهم أسماء غير تقليدية. في الواقع، لا يوجد أي دليل على الاطلاق على أن الأفراد الأكثر ذكاء من المرجح أن يفضلوا أسماء غير تقليدية لأطفالهم. إعطاء الأبناء أسماء غير عادية ربما يكون في الواقع دليلاً على انخفاض الذكاء.

تشدد الفـرضيـة على ضرورة التمييز بين الجـِدَة التطورية والجـِدَة التجريبية. ويمكن لها أن تفسر لماذا يكون الأفراد الأكثر ذكاء أكثر عرضة لالتماس الجـِدَة التطورية، ولكن ليس بالضرورة الجـِدَة التجريبية. كما تقترح أبعد أن يكون الترابط correlation المُثبَت بين الانفتاح والذكاء مقتصراً على الجـِدَة التطورية، وليس بالضرورة الجـِدَة التجريبية، ولكن المقاييس الحالية للانفتاح لا تعرض بشكل ملائم لهذا الاقتراح.


هذه المقالة هي ترجمة لمقالة د. كانازاوا What Does “Novelty” Mean?.

الجمعة، 9 يوليو 2010

الـفرضيـة، أو: لماذا يريد الناس ما يريدونه؟

ملاحظة: في هذه المقالة يستخدم د. كانازاوا عبارة ”The Hypothesis“ للدلالة على فرضيته التي يستنتجها هنا، وقد فضّلت ترجمتها إلى العربية هكذا: الـفرضيـة .. وسأستخدم هذه الكلمة لاحقاً في كل مقالاته القادمة.


السافانا.. منها بدأنا "كصيادين-لاقطين" وإليها نعود "للبحث عن أصولنا المنسية"


من أين تأتي قيم الأفراد وتفضيلاتهم؟ لماذا يريد الناس ما يريدونه؟ ما الذي يفسر أصل التفضيلات الخصوصية والقيم للأفراد؟

إن مشكلة القيم – أصلها والفروق الفردية – هي واحدة من المسائل النظرية التي لم تحل في العلوم السلوكية. الإجابة التقليدية للاقتصاديين على سؤال التقليدي القيم الفردية والتفضيلات هو: De gustibus non est disputandum. للأذواق لا يوجد تفسير، ولذا لا يقدر أحد أن يفسر التفضيلات الخصوصية والقيم للأفراد.

إني أعتقد أن علم النفس التطوري هو المفتاح لكشف منشأ التفضيلات والقيم الفردية. فمبدأ السافانا ينص على أن الدماغ البشري لديه صعوبة في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف. ونظرية تطور الذكاء العام تشير إلى أن الذكاء العام قد تطور كتكيف نفسي محدد بالمجال لحل المشاكل الجديدة تطورياً. إن ترابطهما المنطقي يشير كفاءة مبدأ السافانا، ويفضي إلى فرضية جديدة حول التفضيلات والقيم الفردية.

فإذا كان الذكاء العام قد تطور للتعامل مع المشاكل الجديدة تطورياً، فإنّ صعوبة الدماغ البشري في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات الجديدة تطورياً (كما يقترح مبدأ السافانا) ينبغي أن تتفاعل مع الذكاء العام، بحيث يكون مبدأ السافانا مؤثراً أكثر بين الأفراد الأقل ذكاءً من الأفراد الأكثر ذكاءً. فالأفراد الأكثر ذكاءً ينبغي أن يكونوا أكثر قدرة على الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات الجديدة تطورياً (ولكن ليس المألوفة تطورياً) من الأفراد الأقل ذكاءً.

وهكذا فإن فرضية تفاعل السافانا–نسبة الذكاء (سيشار لها لاحقاً ”بالـفرضيـة“ في هذه المدونة) تشير إلى أن الأفراد الأقل ذكاءً يجدون صعوبة أكبر من الأفراد الأكثر ذكاءً في الفهم والتعامل مع مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف. في المقابل، الذكاء العام لا يؤثر على قدرة الأفراد على الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات المألوفة تطورياً التي كانت موجودة في بيئة الأسلاف.

إن الكيانات الجديدة تطورياً التي يكون الأفراد الأكثر ذكاءً أكثر قدرة على الفهم والتعامل معها يمكن أن تشمل الأفكار وأساليب العيش، والتي تشكل الأساس لتفضيلاتهم وقيمهم. سيكون من الصعب جدا على الأفراد أن يفضَّلوا أو يقيِّموا شيئاً ما لا يستطيعون فهمه حقاً. لذلك، مطبقةً على نطاق التفضيلات والقيم، فالـفرضيـة تشير إلى أن الأفراد الأكثر ذكاءً أكثر احتمالاً من الأفراد الأقل ذكاءً لاكتساب وتبني التفضيلات والقيم الجديدة تطورياً التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف ومن ثمّ لم تكن لدى أسلافنا، ولكن ليس للذكاء العام أي تأثير على اقتناء واعتناق تفضيلاتٍ مألوفة تطورياً وقيمٍ كانت سائدة في بيئة الأسلاف.

في التدوينات القادمة، سوف أناقش بعض مترتبات هذه الـفرضيـة في مجالات مختلفة من الحياة، والأدلة التجريبية المتصلة بها.

الأربعاء، 7 يوليو 2010

كيف تطور الذكاء العام ؟

هكذا تطورت أجسادهم .. فكيف تطورت عقولهم؟


إذا كانت محتويات دماغ الإنسان محددة بالمجال، كما يزعم علماء النفس التطوري، فكيف يمكن لعلم النفس التطوري أن يفسر الذكاء العام، والذي يبدو عام المجال؟

يشير الذكاء العام إلى القدرة على التفكير بالاستنباط أو الاستقراء، أو على نحو تجريدي، استخدام القياس، تركيب المعلومات، وتطبيقها في مجالات جديدة. وهو مقياس لكيفية (وإلى أي مدى) تفكيرك، وليس معرفتك، رغم أن ما تعرفه يتأثر بذكائك.

مفهوم الذكاء العام يطرح مشكلة لعلم النفس التطوري. فعلماء النفس التطوري يقولون بأن دماغ الإنسان يتكون من آليات نفسية متطورة محددة بالمجال، والتي تطورت لتحل مشاكل تكيفية معينة (كمشاكل البقاء والتكاثر) في مجالات محددة. وهكذا، لدينا مثلاً آلية كشف الغش في مجال التبادل الاجتماعي، وجهاز اكتساب اللغة في مجال اكتساب اللغة الأم. تطورت الآليات النفسية المتطورة تعمل فقط في مجالها المعين. إذ لا يمكنك استخدام آلية كشف الغش لتعلم لغتك الأم أو جهاز اكتساب اللغة للكشف عن الذين قد ينتهكون عقداً اجتماعياً ضمنياً. ولكن إذا كانت محتويات دماغ الإنسان محدودة بالمجال، كيف يمكن لعلم النفس التطوري أن يفسر الذكاء العام، الذي يبدو عام المجال، وينطبق ويفيد في العديد من المجالات؟

إني أعتقد أن ما يعرف الآن باسم الذكاء العام ربما قد تطور في الأصل كتكيف محدد بالمجال للتعامل مع مشاكل جديدة تطوريا وغير متكررة. فالدماغ البشري يتكون من عدد كبير من آليات نفسية متطور ة محددة بالمجال لتحل مشاكل التكيف المتكررة، مثل مشاكل توفير الغذاء، واختيار الشريك. في هذا المعنى، لم يكن على أسلافنا حقا أن يفكروا لأجل حل هذه المشاكل المتكررة. فالتطور قد أنجز كل التفكير سلفاً، إن جاز التعبير، وجهّز الدماغ البشري بالآليات النفسية الملائمة، والتي تنتج فينا التفضيلات المناسبة، الإدراكات المرغوبة، والعواطف، وتحفّز السلوك التكيفي في سياق بيئة الأسلاف.

كل ما كان على أسلافنا فعله لحل مشاكلهم التكيفية اليومية هو اتباع ما تمليه تلك الآليات النفسية المتطورة والتصرف وفقا لما شعروا به، والسير وراء عواطفهم ومشاعرهم. نادراً ما كان التعقّل الواعي والمتعمد ضروريا لأسلافنا، لأن معظم مشاكلهم التكيفية كانت متكررة ومألوفة، وكانت لديهم حلول متأصلة في أدمغتهم.

حتى في أقصى ظروف الاستمرارية والثبات في بيئة الأسلاف، كانت هناك مشاكل عرضية يرجح أنها جديدة وغير متكررة تطورياً، الأمر الذي تطلب من أجدادنا أن يفكروا ويتعقلوا لأجل الحل. وربما قد تكون مشاكل جديدة تطوريا كهذه قد حصلت، على سبيل المثال:

1. البرق قد ضرب شجرة بالقرب من المخيم وأشعل النار فيه. النيران تنتشر الآن إلى الشجيرات الجافة. ماذا علي أن أفعل؟ كيف يمكن لي وقف انتشار الحريق؟ كيف يمكن لي ولعائلتي الخروج منه؟ (منذ أبدا بما أن البرق لا يضرب المكان نفسه مرتين ، وهذا ضمان أن تكون المشكلة غير متكررة).

2. نحن في وسط أقسى موجة جفاف خلال مائة سنة. المكسرات والتوت في أماكن تجمعنا الطبيعية، والتي عادة ما تكون وفيرة ، لا تنمو على أي حال، والحيوانات نادرة أيضاً. الغذاء ينفد منا لأن أيا من مصادرنا الطبيعية من المواد الغذائية لا يتوفر. ماذا يمكننا أن نأكل؟ وما هو الآمن للأكل؟ وإلا فكيف يمكننا توفير الغذاء؟

3. تسبب سيل مفاجئ في تضخم النهر لعدة أمثال عرضه العادي، وأنا محاصر على جانب واحد في حين أن فرقتي بأكملها على الجانب الآخر. ومن المحتم أن أنضم إليهم قريبا. كيف يمكن لي عبور النهر؟ هل يجب أن أمشي خلاله؟ أو ينبغي أن أشيد نوعا من المركبات الطافية وأستخدمها لعبوره؟ إذا كان الأمر كذلك ، فأي نوع من المواد علي أن أستخدم؟ الخشب؟ الحجارة؟

إلى حد أن هذه المشاكل الجديدة تطوريا وغير المتكررة، حدثت بتكرار كافي في بيئة الأسلاف (مشكلة مختلفة كل مرة)، وكانت لها آثار خطيرة كفاية لتؤثر على البقاء والتكاثر، فإن أي طفرات وراثية سمحت لحامليها بالتفكير والحُكم من شأنها أن يتم اختيارها، وما نسميه الآن “الذكاء العام” ربما قد تطور كتكيف محدد بالمجال في مجال المشاكل الجديدة تطوريا وغير المتكررة. ولأن مثل هذه المشاكل ليست ملامح متكررة في بيئة الأسلاف، ما من حلول متأصلة توفرت بالتكيفات النفسية الحاضرة.

من هذا المنظور، ربما لم يكن الذكاء العام مهما جدا – ليس أكثر أهمية من أي تكيف نفسي آخر محدد بالمجال – في أصله التطوري، ولكنه أصبح هاما بشكل شامل في الحياة الحديثة، فقط لأن بيئتنا الحالية هي تقريباً بالكامل جديدة تطوريا. النظرية الجديدة تقترح، والبيانات التجريبية تؤكد أن أكثر الأفراد الأذكياء هم أفضل من الأفراد الأقل ذكاء في حل المشاكل إن كانت المشاكل جديدة تطورياً. والأفراد الأكثر ذكاء ليسوا أفضل من الأفراد الأقل ذكاء في حل المشاكل المألوفة تطورياً، كما في مجالات التزاوج، الوالدية، والعلاقات بين الأشخاص، والعثور على المسار (إيجاد طريقك إلى البيت في غابة) ، إلا إذا كان الحل ينطوي على كيانات جديدة تطورياً. على سبيل المثال، الأفراد الأكثر ذكاء ليسوا أفضل من الأفراد الأقل ذكاء في إيجاد الرفقاء والحفاظ عليهم، ولكنهم قد يكونون أفضل في استخدام أجهزة المواعدة الحاسوبية. الأفراد الأكثر ذكاء ليسوا أفضل في إيجاد الطريق إلى البيت في غابة، ولكنهم قد يكونون أفضل في استخدام الخريطة أو جهاز ملاحة ساتلي (يقوم على السواتل: الأقمار الصناعية).

إني أعتقد أن العلماء والمدنيين معاً قد بالغوا بإفراط في أهمية الذكاء العام في الحياة اليومية. فالذكاء لا يساعدك مع المشاكل المهمة حقاً في حياتك، كالحفاظ على علاقة عمل ناجحة، كونك صديقا جيدا، وتربية الأطفال. إنه يساعدك فقط في حل المشاكل غير المهمة والجديدة تطورياً كالحصول على التعليم الرسمي، جني المال في اقتصاد رأسمالي، والتحليق بطائرة.


هذه التدوينة هي ترجمة لمقالة الدكتور ساتوشي كانازاوا، المنشورة على موقع Psychology Today

الأربعاء، 10 مارس 2010

أفعل ما تشاء فلا يوجد اله !.

أفعل ما تشاء فلا يوجد اله !.

الكثير من الأصدقاء حينما أناقشهم حول فكرة الإله وعدم جدواها بل هي فكرة لم يتم تقديم أي دليل يدعمها ، يقفز السؤال المكرر في كل مرة بان الاله والتدين يضعان الانسان بمعزل عن العبثية والاعتباطية في السلوك ، حتى ان احدى الزميلات في طبيعي صرحت بانها ترتبط بمتدين او مسلم لان الملحد لا امان معه ولايوجد شي يحكمه .

يقول ريتشارد داوكنز :

ان طرح السؤال بتلك الطريقة يبدو دنيئا وعندما يطرحه انسان متدين بهذا الشكل (والعديد منهم يفعل ذلك) تغمرني رغبة ملحة بالتحدي التالي : هل تعني ان تقول لي بان السبب الوحيد الذي تحاول لاجله ان تكون صالحا هو لتحصل على رضا الله ومكافاته او لتفادي غضبه وعقوبته ؟ هذا ليس اخلاقيا بل نفاق وتلميع للمظاهر فقط ، ان ترمق النظر لكاميرا المراقبة العظيمة في السماء او الميكروفون التجسس في راسك والذي يراقب كل حركاتك وحتى ادنى الافكار الطائشة في الرأس.

وكما قال اينشتاين : لو ان الناس صالحون فقط لخوفهم من العقوبة وطمعهم بالمكافأة فإننا صنف يؤسف لنا بالتأكيد.

يقول مايكل شيرمر: في كتابه علم الخير والشر بان مثل هذا التساؤل يضع حدا لكل أشكال النقاش لو وافقت على انك في غياب الله سوف تسرق وتغتصب وتقتل فانك شخص لا أخلاقي وعلينا فعلا ان نحتاط منك . ولو على الطرف الاخر لو وافقت ان تستمر في كونك صالحا حتى بدون وجودك تحت مراقبة السماء فانك تنقض زعمك بان الله ضروري لنكون صالحين ، اشتبه في ان كثيرا من المتدينين يفكرون بان الدين هو ما يدفعهم ليكونوا صالحين خصوصا اتباع احد فروع الايمان الذي يستغل بشكل منظم للشعور بالذنب وتأنيب الضمير.

ان الاله والتدين لم ينجحا في تعزيز عنصر الخير لدى الانسان فالكثير من الشرور ارتكبت على مذبح الاله وبيد أنبيائه الأصفياء ولا نتعجب من ذبح احد الأنبياء لابنه أو حتى مجرد التفكير بذلك ، العديد من المجازر والحروب كانت بسبب فكرة الاله .

الكثير من المتدينين ارتكبوا مجازر وجرائم دون ان يفعل الاله شيئا او حتى ان يعزز رقابتهم الذاتية والتي يزعم المتدينون بانها تمثل صوت الضمير الذي يقول للانسان قف فهذا خطا .
الحروب الاهلية الطائفية كلها ترتكب بمباركة من الاله وممثليه على الارض .
ان الإلحاد لايزيد من الدافع الأخلاقي لكنه متناغم مع المستوى الدراسي ومعدل الذكاء كما- اثبتت احدى الدراسات- ، فيجعله ابعد عن كونه منبثقا للفكر الاجرامي ، وطبعا لا انزه الملحد عن الاعمال الاجرامية ، لان السلوك هو تصرف شخصي فاعظم منظومة اخلاقية لايمكنها ان تزكي معتنقيها عن ارتكاب الجرائم .

لكن الدين بما هو منظومة مليء بالدوافع الاجرامية والدعوة للقتل وكما جاء في الديانات التوحيدية :

سفر التثنية، الإصحاح 20

10 «حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ،

11 فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى الصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ، فَكُلُّ الشَّعْبِ الْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ.

12 وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا.

13 وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى يَدِكَ ""فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ"".

14 وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، ""وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.""

15 هكَذَا تَفْعَلُ بِجَمِيعِ الْمُدُنِ الْبَعِيدَةِ مِنْكَ جِدًّا الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُدُنِ هؤُلاَءِ الأُمَمِ هُنَا.

إنجيل لوقا، الإصحاح 19

26 لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ.

27 أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، ""فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي""».

القرآن، سورة التوبة:

5 فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ""فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ"" فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

29 ""قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ"" حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

كملحد لن ارتكب شيء يضرني ، ولا يضر محيطي لاني جزء من هذا المحيط الذي يتمثل تارة بمجتمع وتارة بدولة وتارة بانسان . وانا اؤمن بان اي شيء اضيفه للاخرين فانه يوثر بي شخصيا لاني جزء من الاخرين يربطني بهم انتماء وطني او انساني .

هل لو ان الاله لم يكن موجودا ، هل تبقى البشرية تتقاتل ولا تضع قوانين ومواثيق لتنظيم حياتها ؟اشك بهذا بل اني متأكد انها تفعل ويكون حالها افضل من الان .
شكراً لقراءة المقال

الاثنين، 8 مارس 2010

سيكون مشوشاً أن نبحث عن الدين الواحد الحقيقي..

غالبا ما أتيحت لي حوارات مع أناس متدينين عن قناعاتهم المطلقة بأن روايتهم الدينية هي الصحيحة (بدلا من الروايات النابعة من الـ9999 ديناً الأخرى). عادة، كان الرد هو ذلك الذي يعرّف معنى الحشو: "أنا أعلم أنها الرواية الحقيقية لأن ديني هو الوحي الحقيقي". جميل!

افترض أن شخصاً من المريخ قد انتقل إلى الأرض حديثاً. وهو التسوق للحصول على دين واحد صحيح. دعونا نرى أين سيقوده هذا الاستكشاف. كأيّ مريخي منطقي وعقلاني، فسوف يبدأ بطرح بعض الأسئلة الأساسية ليبقي الحوار دائراً.

هل يمكنني أن أشرب الكحول؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكنني أكل البروشيوتو (نوع إيطالي من اللحم المقدد، يتخذ من لحم الخنزير)؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكنني أكل بعض الأرز المقلي مع الجمبري؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكنني الاستماع إلى الموسيقى؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكن أن أشغّل الحاسوب للعمل يوم السبت؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكن أن أتخذ أكثر من زوجة واحدة؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكنني أن أستمني (أشبع ذاتي جنسياً)؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
ما هي سهولة الحصول على الطلاق؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
ما هي العقوبة اللازمة (إن وجدت) للمثلية الجنسية؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكن للمرء أن ينتحر؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يمكن لي أخذ الأدوية الموصوفة إذا مرضت؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل ثمَّ حيوانات معينة تعتبر مقدسة؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل ثمَّ إله واحد أو آلهة متعددة؟ هذا يعتمد على من هو/هي الإلهـ(ة) الحقيقيـ(ة).
هل توجد جهنم؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل ممارسة الجنس قبل الزواج مسموح ؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل الشمس إلهية؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل لي أن أتناسخ؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
كيف على المرأة أن تلبس ؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هو ختان الذكور واجب إلهي؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هو ختان الإناث واجب إلهي؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل كشف المخلِّص عن نفسه؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
يمكنني شراء الغفرانات "لأنقل بسرعة" أقاربي الأموات إلى الجنة؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل من المهم أن تكون دائما على علم بموقعك بالنسبة للاتجاهات الأساسية؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل هناك ممثل مباشر للإله على الأرض؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل سيذهب الملحدون إلى الجحيم؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
كم هو سهل بالنسبة لي أن أنضم إلى دينكم؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل هو تجديف أن أحصل على وشم؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل هناك شيء ما مثل النهر المقدس؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل يجب أن أسعى للانتقام من أعدائي؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل نحن قريبون من هرمجدون (المعركة الكبرى قبل عودة يسوع المسيح)؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل تسكن بعض الأرواح على الكواكب الأخرى؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هو يحظر ارتداء الأحذية الجلدية في أيام معينة؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل الحج واجب إلهي؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل الردة مسموح بها؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.
هل التطور حقيقة؟ هذا يعتمد على من هو الإله الحقيقي.


بعد كل هذه الأسئلة: سوف يبدو صحيحاً أن الإله يكمن في التفاصيل!


هذه التدوينة هي ترجمة لمقالة الدكتور جاد سعد، منشورة على موقع Psychology Today.

الجمعة، 5 مارس 2010

مبدأ السافانا

ماذا ولماذا يستطيع الدماغ البشري أن يدرك؟


أحد الافتراضات الأساسية لعلم النفس التطوري هو أنه لا يوجد شيء خاص عن الدماغ البشري. فهو جهاز متطور، تماما كاليد أو البنكرياس أو أي جزء آخر من جسم الإنسان.

تماما مثل كل أجزاء أخرى من الجسم البشري، الدماغ – وجميع الآليات النفسية المتطورة ضمنه – تصمم وتكيف مع ظروف بيئة الأسلاف التي تطوروا فيها، وليس بالضرورة في البيئة الحالية. هذا المبدأ ينطبق على كل من التكيفات النفسية، كالآليات النفسية المتطورة، والتكيفات الجسدية، مثل العين، والرؤية، ونظام التعرف على الألوان


" ما هو لون الموزة ؟ "



ما هو لون الموزة؟ الموزة صفراء في ضوء الشمس وضوء القمر. صفراء في يوم مشمس، في يوم غائم، وفي يوم ممطر. صفراء عند الفجر وعند الغسق. لون الموزة يبدو ثابتاً للعين البشرية في ظل كل هذه الظروف، رغم حقيقة أن موجات الضوء الفعلية المنعكسة من سطح الموزة في ظل هذه الظروف المتنوعة هي مختلفة. موضوعيا، فهي ليست من لون واحد طوال الوقت. ومع ذلك، يمكن للعين البشرية ونظام التعرف على الألوان أن تعوض هذه الظروف المتنوعة لأنها جميعا وقعت خلال مسار التطور لنظام رؤية الإنسان، ويمكن أن تتصور موضوعياً ألواناً متنوعة على أنها صفراء باستمرار.

فالموز يبدو أصفر تحت كل الظروف، ما عدا في موقف سيارات في الليل. تحت أضواء بخار الصوديوم التي تستخدم عادة لتضيء مواقف السيارات، لا يظهر الموز كأصفر طبيعي. وهذا لأن أضواء بخار الصوديوم لم تكن موجودة في البيئة الأسلافية، أثناء تطور نظام رؤية الإنسان، والقشرة البصرية بالتالي عاجزة عن تعويضهم.

معجبو فيلم جيمس كاميرون لعام 1989 "الهاوية" قد يتذكرون مشهداً قرب نهاية الفيلم ، حيث يستحيل على الغطاس أن يميز الألوان تحت إضاءة اصطناعية في الظلام المعتم كلياً للحوض المحيطي العميق. متابعو البرنامج التلفازي "ملفات جنائية" وغيره من مسلسلات الجرائم الواقعية قد يتذكّرون أبعد من ذلك أن شهود العيان غالبا ما يخطئون التعرف على ألوان السيارات على الطرق السريعة، مما يؤدي بالشرطة إما إلى إثبات أو استبعاد المشتبه بهم المحتملين بشكل غير صحيح، لأن الطرق السريعة والخارجية غالباً ما تضاء بأنوار بخار الصوديوم وغيرها من مصادر الإضاءة الجديدة تطورياً.


نفس هذا المبدأ الذي ينطبق على التكيفات الجسدية مثل التعرف على الألوان ينطبق على التكيفات النفسي. إذ جميع رواد علم النفس التطوري أقرُّوا بأن التكيفات النفسية تصممت لتتلاءم مع ظروف بيئة الأسلاف، وليس بالضرورة لظروف البيئة الراهنة. أدعو هذه الملاحظات بمبدأ السافانا:
" لدى الدماغ البشري صعوبة في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف ".
سائر علماء النفس التطوريين يسمون نفس الملاحظة فرضية التركة التطورية أو فرضية عدم التطابق.



أحد الأمثال على مبدأ السافانا في الواقع هو حقيقة أن الأفراد الذين يشاهدون أنواع معينة من البرامج التلفزيونية هم أكثر رضى عن صداقاتهم، تماما كما لو أن لديهم المزيد من الأصدقاء أو أنهم يجتمعون معهم على نحو أكثر تواتراً. فمن المنطقي جداً أن الناس الذين لديهم المزيد من الأصدقاء الذين يجتمعون معهم بشكل أكثر تواترا هم أكثر رضى عن صداقاتهم من أولئك الذين لا يوجد لديهم الكثير من الأصدقاء أو لا يجتمعون معهم بصورة متكررة. وهم كذلك. ما يثير الاهتمام هو أن يحدث الشيء نفسه إذا كانوا يشاهدون التلفزيون أكثر. من منظور مبدأ السافانا هذا هو الأرجح، لأن صوراً واقعية لبشر آخرين، مثل التلفزيون، الأفلام، أشرطة الفيديو، الديفيديهات، والصور ، لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف، حيث كل الصور الواقعية للبشر الآخرين هي بشر آخرين. نتيجة لذلك، فإن مبدأ السافانا يوحي بأن العقل البشري قد يجدون صعوبة ضمنية في التمييز بين "أصدقاء التلفزيون" – الشخصيات التي تعرض تكرارا في برامج التلفاز – وأصدقائهم الحقيقيين.

مثال آخر، نوقش على نطاق واسع في إدراج سابق، هو حقيقة أنه عندما قام النفسانيون التجريبيون عمداً بخلق حالة حيث يكسب الناسُ المالَ وهم منبوذين ويخسرون المال وهم متضمنين، لا يزال الناس يشعرون بالسعادة عندما يُتضمنون (ويخسرون المال) ويتأذون عندما يُستبعَدون (ويكسبون المال). في حين أن هذا لا معنى له من منظور اقتصادي بحت، فهو يتفق تماما مع مبدأ السافانا. فطوال مراحل تطور البشرية، كان الاستبعاد من مجموعة دائماً مكلفاً والتضمين دائماً مفيداً. هذان العاملان تفاوتا معاً دائماً عبر التاريخ التطوري، لأنه لم يكن ثَمّ نفسانيون تجريبيون أشرار في بيئة أسلاف يُتلاعب بها بشكل مستقل. لم تكن هناك أشياء مثل الاستبعاد النافع أو التضمين المكلف، وبالتالي لا يمكن للعقل البشري استيعابها. فهو يفترض ضمناً أن كل تضمينٍ مفيد وكل استبعادٍ مكلف.

لذلك يبدو أن الدماغ البشري يجد صعوبة فعلية في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف، كما يشير إليها مبدأ السافانا. إذا نظرت حولك، سوف تدرك أن لا شيء تقريبا في بيئتك الحالية كان موجوداً في بيئة الأسلاف. في الواقع، أعتقد أن هناك أربعة كيانات فقط في بيئتنا الحالية كانت موجودة في بيئة الأسلاف: الرجال والنساء والفتيان والفتيات. إن كنت خارجها، قد تميل إلى أن تتضمن بعض الميزات الطبيعية كالأشجار والجبال والأنهار، ولكن ما لم تكن أنت في السافانا الأفريقية، فأنها ليست نفس الأشجار والجبال والأنهار التي كانت موجودة في بيئة الأسلاف. هناك المزيد من المواقف والعلاقات في بيئتك الحالية التي لم تزال موجودة في بيئة الأسلاف، كالصداقات، والتحالفات، وعقود الازدواج (أو التزويج). ولكن العديد من هذه الحالات والعلاقات اليوم تشمل مكونات بديعة تطورياً (مثل فيسبوك، العقود المكتوبة التي تنفذها الحكومة، وشهادات الزواج).


إن كلمة المفتاح في مبدأ السافانا – لدى الدماغ البشري صعوبة في الفهم والتعامل مع الكيانات والحالات التي لم تكن موجودة في بيئة الأسلاف – هي الصعوبة، لا الاستحالة. فأحيانا يمكن التغلب على القيود المفروضة على الدماغ البشري بشكل واعي – يمكن لنا أن نتذكر أن الشخصيات التي نرى على التلفاز هم ممثلون محترفون يتقاضون الملايين من الدولارات لأداء أدوار مكتوبة – ولكنه غالباً ما يكون صعباً. حتى حين ندرك شيئا على المستوى الواعي، فإننا لا نزال نتصرف كما لو لم نكن، حيث نصبح أكثر ارتياحا مع صداقاتنا عندما نشاهد التلفاز أكثر. للملاحظة التي قبض عليها مبدأ السافانا آثار قوية وعميقة جداً على علم النفس التطوري وكيف يعمل الدماغ البشري.



المصدر: مقالة للدكتور ساتوشي كانازاوا على موقع علم النفس اليوم.
من ترجمة كوان.

من الذي يمثل الإسلام

من الذي يمثل الإسلام

الدين حينما يكون نظاماً حياتياً ورؤية فلسفية، يجب أن يتجسد بأشخاص يمثلونه حتى نلاحق مقولاته سلباً أو إيجاباً . وذلك لأن دعوات تطبيق الدين الإسلامي انطلقت بشعارات من قبيل "الإسلام هو الحل" أو "الإسلام يقود الحياة "، وبُنيت على هذه الدعوات أحزاب وتكتلات إسلامية كثيرة .

ان الدين الاسلامي متشعب جداً، ففيه مذاهب كثيرة وكل مذهب يحتوي على قراءات متعددة ومختلفة بل متناقضة بأغلب الأحيان .
حتى ان داخل المذهب الشيعي هناك فرق متنوعة وأفكار مختلفة حول نظام الحكم: فمنهم من يصنفه كولاية للفقيه، وحتى هذه الولاية اختلفوا فيها كثيراً، ومنهم من يرى الشورى او الديمقراطية، ومنهم من لا يرى اي نظام للحكم في الاسلام بل هو نابع من منطقة الفراغ التشريعي ، بتعبير أخر ان الحكم هو خاضع للتجربة البشرية .

لقد قسموا الاسلام الى سياسي وثقافي وليبرالي وعلماني وتقسيمات كثيرة جداً، لكنني ساعول على ما كتبه مصطفى ملكيان في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العددين 24-25، فقد قال في صفحة 201 عن معاني الإسلام:

" الإسلام تارة النصوص الدينية والمذهبية المقدسة للمسلمين ، اي انه مجموع القرآن والاحاديث الصحيحة (وسوف نسميه هنا بالاسلام الاول) وتارة يعد الاسلام مجموعة الشروح والتفاسير والتبيانات والدفاعات الخاصة بالقرآن والأحاديث الصحيحة ، اي ان الاسلام هو نتاجات المتكلمين وعلماء الاخلاق والفقهاء والفلاسفة والعرفاء وغيرهم من علماء الثقافة الاسلامية (الاسلام الثاني). وأحيانا يعرّف الاسلام بوصفه جملة الممارسات التي صدرت عن المسلمين طوال التاريخ ، علاوة على الآثار والنتائج المترتبة على هذه الافعال (الاسلام الثالث).
... كل هذه القراءات والفهوم يمكن تلخيصها في وقتنا الراهن بثلاث تيارات كبرى: الاسلام الاصولي (Fundamentalist) والاسلام الحداثي (Modernist) والاسلام التقليدي (Traditionist). "

ان ما يطرحه ملكيان هنا يمكن تسميته بإسلام النصوص، وإسلام القراءات البشرية للنصوص، واسلام السلوك والممارسات. وهذه قسمة تشمل الإسلام ككل، لان اي تقسيم للإسلام يندرج تحت إحدى هذه العناوين أو أكثر .

ان ما نراه اليوم تحت اسم الدين من إرهاب وقتل ومصادرة حقوق الأقليات ورفض الفكر الاخر وانتهاك لحقوق الانسان والتخلف في المجتمعات الاسلامية جعل العديد من الناس تبحث عن موطن الخلل، وانطلقت ثلاث فرضيات تشخص هذا الخلل هي:

الفرضية الاولى: ان الخلل في التطبيق اما الدين كنص مقدس فلا غبار عليه ، ولو ان المجتمع قد طبق الدين حرفيا لوصل الى سعادته المنشودة وغاياته المعهودة .
الفرضية الثانية: ان الخلل في فهم العلماء للنصوص الدينية ، فهم مختلفون باتجاهات ومقاصد كثيرة بل ان القراءة البشرية للنص تختلف باختلاف منظري الدين نفسه ، بكلام اخر: ان الخلل هو بالمنهج السائد بتفسير النص الديني وليس في الدين نفسه كما تنص الفرضية الاولى .
الفرضية الثالثة
: ان الخلل في الدين نفسه ، مثلا ان مشكلة الاسلام هو الاسلام نفسه لانه نص ثابت وغير تفاعلي ، ولم يحل مشاكل القوم الذي فرضه نفسه عليهم ، بل ان قائدته الاوائل لم تخلو حياتهم من مشاكل يمكن حلها بواسطة ابسط سياسات وطرق حل النزاع بعالم اليوم ، انها نصوص تخالف ما يثبته العلم الحديث ، بمعنى ان النص الديني لا يتناسب مع تطورات وتحديات عالم اليوم .

وقبل ان اختبر هذه الفرضيات فاني انطلق من مسبقات قمت باختبارها اثناء رحلتي الطويلة بدراسة الدين وساتطرق لها بقادم المقالات ، بان الدين الاسلامي يمثله محمد الرسول فقط ، وكل شخص ياتي بفهم مختلف فانه يعدل بهذا الدين وبها يكون عندنا أديان مختلفة وان تشاركت بالاصول لكنها اختلفت بالفروع .

ان من ينسخ تجربة محمد بحذافيرها يكون مطبقا حقيقياً للدين الاسلامي وخير من يجسد هذا الامر هم السلفية الوهابية .


وباختبار الفرضيات نجد ان فرضية ان الخلل في التطبيق لاتنسجم مع التطبيقات المختلفة للدين ، فنحن نعرف ان المجتمع يطبق الدين ويحرص على تأدية شعائره. بل ان التطبيقات المختلفة دليل ان الخلل ليس فيها ، فالامر مشابه لقضية الدواء والاستخدام الصحيح للدواء ، فحينما لا نجد ان الدواء قد حقق الفوائد المرجوة نقع تحت افتراضين او اكثر: اما ان الخلل بالدواء نفسه او الخلل باستخدام الدواء، إذ لم يستخدم المريض هذا الدواء وفق تعاليم الطبيب. لكن والحال بان هناك مليار مريض يتناول الوصفة الطبية بطرق مختلفة، فهذا يؤكد بان الخلل ليس بالتطبيق بل بالدواء نفسه او بالتشخيص . فالخلل الان انحصر اما في فهم المنظرين للنصوص الدينية، وهنا يمثلون المشخص في مثال الدواء، او الخلل في نفس الدواء ، وهو متجسد بالدين .

كذلك لو كان الخلل بالمسلمين وان الاسلام لايعرف من خلال المسلمين فهو إيديولوجيا غير عملية، لأنهم إن اعتبروه نظاماً فينبغي أن يكون صالحاً للتطبيق وصديقاً للمستخدم، ودعواهم أنه لا يعبر عنه من آمن به تعني أنه ليس صالحاً للاستيعاب ولا صديقاً للمستخدم.

الفرضية القائلة بان الخلل في فهم العلماء للدين غير صحيحة ، لانها لا تتوافق مع مبدا "ان الاسلام يقود الحياة" او انه اطروحة تتمثل بالسلام الدائم والسعادة المتناغمة مع اهداف البشرية: لانهم اما ينتظرون مصلحا غائبا او يولد بعد حين ، فلا يعطون نموذجا للقيادة. فبالتالي اعتراضهم على الانظمة الارضية والبشرية لا يمت للواقع بصلة لانهم لا يملكون البديل ، كذلك لو تمت فرضية ان الخلل بفهم العلماء للدين ، فلن يكون هناك مطبق حقيقي للدين وسيضيع الدين هباءً منثوراً.

وهناك بعض من المنظرين لتجديد الدين، يقولون بان الخلل في العلماء ويطرحون حلول ومناهج بديلة لفهم الدين ، ونفس فرضيتهم تنطبق عليهم، وكذلك يقال: ان تنظيرهم مُحدث عن الدين الاصلي فيمثل نسخة معدلة وليست نفس النسخة ، وهي دوما ما تكون نتيجة الظروف الراهنة او ضغوطات الامر الواقع ، وان كان العلماء لا يفهمون الدين حق فهمه فمن الذي فهم ومن الذي يساله الناس عن الدين، وفقاً لأمر القرآن: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" ؟

اما فرضية ان الخلل في الاسلام فهذا هو الواقع ، فان مشكلة المسلمين هي الاسلام نفسه ، من خلال نصوصه الثابتة والتي لا تتناغم مع طبيعة مجتمع زمن محمد فكيف بزماننا الحالي. فهو الوحيد الذي كان يقطع يد السارق دون غيره من التجمعات البشرية، ونصوصه تخالف العلم كثيراً ولا ترتقي لبناء نظام سياسي حالي يتوافق مع تحديات عصر العولمة والتسابق في رفاه الشعوب وسعادتها، او التقدم العلمي من خلال تملك الموارد الثمينة والتقنيات الحديثة ، واستخدامها بافضل صورة مناسبة .

والسؤال لكل من يخالفني وجهة النظر : من هو الذي يمثل الإسلام ؟


شكراً لقراءة المقال
ستيف